فقرات العنق في جسم الإنسان تُعدّ آية بديعة من آيات الصنع والإتقان، سبع فقرات متتابعة، متراصة بانسجام هندسي معجز، تحمل الرأس وتسمح له بالحركة في مختلف الاتجاهات بدقة وسلاسة، وتؤدي في الوقت نفسه وظيفة الحماية لما بداخلها من نخاع شوكي بالغ الحساسية. كل فقرة منها مصمّمة بشكل فريد، فلا هي متشابهة تطابقًا، ولا هي مختلفة انفصالًا، بل تتكامل لتكوّن معًا سلسلة عنقية قوية ومرنة في الوقت ذاته. ومن أعجب ما في هذه الفقرات وجود الثقوب المستعرضة الدقيقة التي تحيط بالنخاع الشوكي على اليمين واليسار، فتكوّن ممرًا محكمًا يمرّ عبره الشريان الفقري الصاعد نحو الدماغ. هذه الثقوب مصطفّة باحكام لتشكّل نفقًا عظميًا مزدوجًا، كأنها قنوات مائية محمية داخل الصخور، لا تسمح لأي انزياح أن يعرّض هذا الشريان الحيوي للخطر. بهذا النظام الدقيق يتكامل العظم الجامد مع الشريان الحيّ، ليعمل كلاهما في وحدة متناغمة دون وعي أو إدراك، في دلالة باهرة على التخطيط المسبق والإبداع المتقن. وليس العجب في ذلك فحسب، بل في كون هذه الفقرات محاطة بأربطة وأوتار وعضلات، تثبتها في مواضعها وتحفظ توازن الرأس فوق العمود الفقري. فالحركة التي يقوم بها الإنسان يوميًا، من الالتفات والانحناء والرفع، تتم بفضل هذا التوازن المدهش بين الصلابة والمرونة. ولو زاد طول فقرة أو نقص حجم ثقب، أو اختل انتظام الأربطة، لكان في ذلك خللٌ يُفقد الإنسان قدرته على الحركة الطبيعية أو يعرّض دماغه لخطر انقطاع التروية الدموية.
ومن روائع الخلق أيضًا أن الحبل الشوكي، الممتد داخل قناة الفقرات، محاط بطبقات من الحماية؛ عظام متينة، وسوائل ماصة للصدمات، وأغشية دقيقة، تعمل جميعها كوحدة متكاملة لتأمين هذا المركز العصبي الرئيس. ومع كل هذه الحماية، جعل الله للدماغ والشرايين طريقًا محفوظًا داخل هذه العظام نفسها، بحيث تتغذى الخلايا العصبية بما تحتاجه من دم وأكسجين دون انقطاع.
إن هذا البناء المتكامل لا يمكن أن يُنسب إلى صدفة عابثة أو إلى فوضى عمياء؛ بل هو صورة من صور الإحكام التي تحدّث عنها القرآن الكريم:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88].
وهو القائل سبحانه: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50]، فكل خلية وعصب وعظم ووعاء دموي قد أُعطي شكله ووظيفته وهدايته الدقيقة ليؤدي دوره دون خلل. وهكذا، حين يتأمل الإنسان في هذه المنظومة العظمية الدقيقة التي تحمل رأسه، وتحمي نخاعه الشوكي، وتؤمن طريق الدم إلى دماغه، فإنه يدرك أن وراء هذا الإحكام العظيم خالقًا عليمًا حكيمًا، أقرب إليه من حبل الوريد، يرسم ويخطط وينفذ بقدرة لا يعتريها قصور ولا يداخلها خطأ.
المراجع:
• أبو المجد، أحمد. (2015). التشريح ووظائف الأعضاء في جسم الإنسان. القاهرة: دار الفكر العربي.
• الزغبي، محمد. (2018). الإعجاز العلمي في جسم الإنسان. عمان: دار عمار للنشر والتوزيع.
• Standring, S. (2016). Gray’s Anatomy: The Anatomical Basis of Clinical Practice (41st ed.). Elsevier.
• Moore, K. L., Dalley, A. F., & Agur, A. M. R. (2018). Clinically Oriented Anatomy (8th ed.). Wolters Kluwer.
• Snell, R. S. (2019). Clinical Anatomy by Regions (10th ed.). Wolters Kluwer.
• Netter, F. H. (2018). Atlas of Human Anatomy (7th ed.). Elsevier.


