تحت سطح جلد الإنسان يكمن نظام عصبي عضلي بالغ الدقة والإعجاز، يعمل بتناغم مذهل بين آلاف الخلايا العصبية والعضلية ليُحدث ظاهرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها آية باهرة من آيات الخلق والإتقان. فلكل شعرة من مئات الآلاف التي تغطي بشرة الإنسان عضلة صغيرة جدًا تُعرف باسم العضلة الناصبة للشعرة (Arrector pili muscle)، تتصل بعصب دقيق من الجهاز العصبي الذاتي، وتُدار هذه المنظومة عبر إشارات كهربائية دقيقة تُرسلها الأعصاب السمبثاوية عند تغيّر الحالة الفيزيولوجية أو العاطفية للجسم، سواء عند الشعور بالبرد، أو الخوف، أو التأثر العاطفي العميق. وعندما تصل هذه الإشارة العصبية إلى العضلة، تنقبض فورًا فترتفع الشعرة قليلًا، مكوّنةً نتوءًا صغيرًا على سطح الجلد يُعرف بالقشعريرة أو Goosebumps. والأعجب أن هذه العملية تحدث في لحظة واحدة متزامنة على مساحة واسعة من الجلد، في استجابة منسقة تفوق قدرات أي نظام صناعي معروف، إذ تُفعَّل آلاف العضلات في آنٍ واحد، دون أن يختلّ توازنها أو يتأخر توقيتها الزمني بأجزاء من الثانية.
لكن الإعجاز لا يقف عند حدود الوظيفة الجسدية فحسب، فالعلم الحديث اكتشف أن هذه الاستجابة ليست فقط وسيلة لحماية الجسم من فقدان الحرارة، بل هي أيضًا استجابة عاطفية وروحية ترتبط بالدماغ وبمراكز المشاعر في الجهاز العصبي، خصوصًا عند التأثر بالموسيقى، أو الذكريات، أو المشاهد الإيمانية العميقة. وعند الإنسان المؤمن، تصل هذه الاستجابة إلى أسمى درجاتها عندما يسمع آيات القرآن الكريم، فتقشعرّ جلود الذين يخشون ربهم خشيةً وخشوعًا، في توافقٍ عجيب بين الجسد والروح، والعقل والقلب. إن هذا التفاعل العصبي-العضلي-الروحي لا يمكن تفسيره بمجرد الصدفة أو التطور العشوائي، بل هو دليل على تصميم واعٍ متقن يُعبّر عن عظمة الخالق الذي قال:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 23)
فما أروع أن يجتمع العلم الحديث مع الوحي الإلهي في وصفٍ واحدٍ دقيقٍ لهذه الظاهرة التي لم تُكتشف تفاصيلها إلا بأجهزة المجهر والعصبون بعد أكثر من ألف عام على نزول القرآن! إن حركة عضلة مجهرية واحدة تتصل بكل شعرة في الجسد هي رسالة بليغة تُخبرنا أن أدق تفاصيل الإنسان قد خُلقت بعناية وحكمة، وأن كل انقباض في هذه العضلات الصغيرة ما هو إلا نبضة تسبيحٍ جديدة تشهد بعظمة الله وقدرته، الذي أتقن كل شيء خلقه.
المراجع:
- Marieb, E. N., & Hoehn, K. (2019). Human Anatomy & Physiology (11th ed.). Pearson.
- Blakemore, C., & Jennett, S. (2001). The Oxford Companion to the Body.Oxford University Press.
- McCraty, R., & Childre, D. (2010). Coherence: Bridging personal, social, and global health. Alternative Therapies in Health and Medicine, 16(4), 10–24.
- Kolb, B., & Whishaw, I. Q. (2020). Fundamentals of Human Neuropsychology (8th ed.). Worth Publishers.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق