تخيّل أن تقوم برحلة طويلة عبر شبكة طرق هائلة تمتد لعشرات آلاف الكيلومترات… لكن هذه الرحلة لا تحدث على كوكب الأرض، بل داخل جسدك أنت.
داخل جسم الإنسان شبكة مذهلة من الأوعية الدموية. ولو أمكن مدّ جميع الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية في خط مستقيم، فإن طولها قد يصل إلى نحو 100 ألف كيلومتر، أي أكثر من ضعفي محيط الأرض. وفي هذه الشبكة تسافر خلايا الدم بلا توقف منذ لحظة ولادتك وحتى آخر لحظة من حياتك.
ومن أعجب ما في هذه الرحلة أن خلايا الدم الحمراء تقطع مسافات هائلة خلال عمرها القصير الذي يبلغ نحو 120 يوماً فقط. وخلال هذه المدة تقوم بملايين الرحلات حاملة الأكسجين من الرئتين إلى كل خلية في الجسم.
والأمر المدهش أن هذه الخلايا لا تتحرك في أنابيب واسعة، بل تمر أحياناً عبر شعيرات دموية دقيقة جداً لدرجة أنها تضطر إلى الانحناء والمرور واحدة تلو الأخرى. وجدران هذه الشعيرات رقيقة بشكل مذهل، فهي تتكون من طبقة خلوية واحدة فقط تسمح بتبادل الأكسجين والمواد الغذائية مع الخلايا.
ويحتوي جسم الإنسان على مليارات الشعيرات الدموية، لأن كل خلية تقريباً يجب أن تبقى على مسافة مجهرية من شعيرة دموية حتى يصلها الأكسجين والغذاء. ولهذا ينتشر هذا النظام في كل نسيج من أنسجة الجسم.
وفي كل دقيقة يضخ القلب الدم عبر هذه الشبكة الهائلة ليغذي نحو 40 تريليون خلية في جسم الإنسان. كما تستطيع الأوعية الدموية أن تتوسع أو تنقبض حسب حاجة الجسم، فتزيد تدفق الدم إلى العضلات أثناء الحركة، أو إلى الجلد للمساعدة في تنظيم حرارة الجسم.
والأكثر إدهاشاً أن الجسم قادر على إنشاء أوعية دموية جديدة عندما يحتاج إليها، مثلما يحدث أثناء التئام الجروح أو نمو الأنسجة. وكل ذلك يحدث بتوازن دقيق للغاية؛ فلو ارتفع ضغط الدم قليلاً لتمزقت الشعيرات الدقيقة، ولو انخفض قليلاً لما وصل الدم إلى أبعد خلايا الجسم.
إنها شبكة حياة مذهلة تعمل في صمت داخل كل إنسان… نظام بالغ الدقة يخدم تريليونات الخلايا بلا توقف.
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق