ليس جسد الإنسان كتلةً صمّاء تُدار بالمصادفة، بل منظومة هائلة من التنسيق المحكم، يقودها جهاز عصبي يُعدّ من أعجب ما عُرف في عالم المادة. فالدماغ هو أعقد نظام بيولوجي تمّت دراسته حتى اليوم . ففي دماغ الإنسان وحده يوجد نحو 86 مليار خلية عصبية (Neuron)، تتشابك فيما بينها عبر شبكة مذهلة من الوصلات تُقدَّر بما بين 100 إلى 1,000 تريليون مشبك عصبي (Synapses)، حيث لا تعمل خلية واحدة بمعزل، بل ضمن تناغم دقيق يُحوِّل الإشارات الكهربائية والكيميائية إلى وعيٍ وحركةٍ وذاكرةٍ وإدراك. هذه الشبكة الفائقة التعقيد كلّها متمركزة في دماغ لا يتجاوز وزنه 1.3–1.4 كغ، أي ما يقارب 3 أرطال فقط، ومع ذلك فهو يدير مليارات العمليات في كل لحظة دون توقف أو ارتباك. وفي الألياف العصبية السميكة المغلّفة بالمايلين، تنتقل السيالات العصبية بسرعات تصل إلى 120–130 مترًا في الثانية، أي ما يعادل تقريبًا 270–290 ميلًا في الساعة، لتضمن استجابة فورية تحفظ التوازن والحياة. وعند مقارنة هذا النظام المذهل بغيره من المخلوقات، نرى أن النحلة – على ما أودع الله فيها من دقة سلوك – تمتلك دماغًا يحتوي نحو 960,000 خلية عصبية، بينما تمتلك النملة، بحسب نوعها، ما بين 250,000 إلى مليون خلية عصبية، ومع ذلك تُؤدي وظائف محدودة مقارنة بالإنسان الذي جُمع له هذا الاتساع العصبي الهائل مع الوعي والإرادة والتكليف. إن هذا البناء العصبي، بتكامله العددي، وسرعاته المضبوطة، وتوزيع مهامه بدقة لا تحتمل الفوضى، لا يشهد فقط على التعقيد، بل على الإتقان، فمثل هذا النظام لا يقوم على العشوائية، ولا يستقيم بالصدفة، بل يدل على علمٍ محيط وتقديرٍ سابق وحكمةٍ بالغة. ورغم اختلاف المدارس العلمية والفلسفية، يتفق كبار العلماء اليوم على حقيقة واحدة واضحة: أن الدماغ البشري ليس مجرد عضو بيولوجي متطور، بل نظام فائق التعقيد، بالغ الكفاءة، شديد الاقتصاد في الطاقة، وما زال يتجاوز قدرتنا الحالية على الفهم الشامل أو المحاكاة الكاملة. وهذا الاعتراف العلمي بالعجز عن الإحاطة الكاملة، ليس ضعفًا في العلم، بل شهادة صريحة على عمق الإتقان، ويقود العقل المتأمل إلى السؤال الأكبر: كيف اجتمع هذا النظام العددي، والوظيفي، والزمني، والطاقي، في عضو واحد دون اختلال، ويجعل العقل السليم يقف متأملًا أمام قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛
المراجع
1. Herculano-Houzel, S. (2023).
The human brain in numbers: A linearly scaled-up primate brain.
Frontiers in Human Neuroscience, 17, 1171944.
https://doi.org/10.3389/fnhum.2023.1171944
2. Rasmussen, M. K., Mestre, H., & Nedergaard, M. (2022).
The glymphatic pathway in neurological disorders.
The Lancet Neurology, 21(11), 1016–1024.
https://doi.org/10.1016/S1474-4422(22)00282-4
3. Giurfa, M. (2023).
Miniature brains, complex cognition: Insect neuroscience.
Current Biology, 33(4), R169–R178.
https://doi.org/10.1016/j.cub.2022.12.024

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق